ابن الجوزي
331
كشف المشكل من حديث الصحيحين
الجنة » ( 1 ) أي يأكل . فالجواب : أن الشهداء ميزوا على غيرهم من المؤمنين بزيادة نعيم وعلو قدر ورفعة ذكر ، فهم أحياء يصل إليهم نعيم الجنة ، ويأوون إلى أشرف منزل ، وهم بالذكر الجميل في الدنيا كالأحياء ، قال ابن جرير الطبري : الشهداء مخصوصون ، يرزقون من الجنة قبل بعثهم دون سائر المؤمنين . وقوله في الحديث « هل تشتهون شيئا ؟ قالوا : أن ترد أرواحنا حتى نقتل في سبيلك » . وإن قيل : ما الفائدة من عرض التمني عليهم ، فلما تمنوا شيئا لم يعطوه ، والحق عز وجل قد علم قبل سؤالهم ما يتمنون ، وعلم أنه لا يعطيهم ذلك ، فما الفائدة في استعراض حاجة لا تقضى ؟ فالجواب من وجهين : أحدهما أن القوم خرجوا من دار التكليف إلى دار الجزاء ، وأحبوا العود لا لمعنى يرجع إلى أغراضهم ، بل قضاء لشكر نعمة الحق عليهم ، فترك إجابتهم إلى ما يوقعهم في النصب إجابة ، فكأنه يقول : مرادكم من العود شكر النعمة أو توفير الأجر ، وقد رضيت شكركم ، وسأنيلكم ما تريدون من غير تعب . ومثال هذا أن ينعم السلطان على شخص عن خدمة نصب فيها ثم يقول له : تمن ، فيقول : لو أن تعيدني إلى الخدمة ، ومراده أن يزداد عنه رضى ، فيمنعه النصب ، ويخبره بتمام الرضى . والثاني : أنهم لما سلموا إلى الشهادة نفوسا لا تخلو من تلويث
--> ( 1 ) « المسند » ( 3 / 455 ، 456 ، 460 ) .